فصل: باب فسخ الحج إلى العمرة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام



وقوله: «وفعل مثل ما فعل من ساق الهدي» يبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن ساق الهدي في حديث آخر بأن لا يحل منها حتى يحل منهما جميعا.
3- عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحره».
فيه دليل على استحباب التلبيد لشعر الرأس عند الإحرام والتلبيد أن يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتفاش كالصبر أو الصمغ وما أشبه ذلك وفيه دليل على أن للتلبيد أثرا في تأخير الإحلال إلى النحر وفيه: أن من ساق الهدي لم يحل حتى يوم النحر وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].
وقولها: «ما شأن الناس حلوا ولم تحل؟» هذا الإحلال: والذي وقع للصحابة في فسخهم الحج إلى العمرة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك ليحلوا بالتحلل من العمرة ولم يحل هو صلى الله عليه وسلم لأنه كان قد ساق الهدي.
وقولها: «من عمرتك» يستدل به على أنه كان صلى الله عليه وسلم قارنا ويكون المراد من قولها من عمرتك أي من عمرتك التي مع حجتك وقيل من بمعنى الباء أي لم تحل بعمرتك أي العمرة التي تحلل بها الناس وهو ضعيف لوجهين أحدهما:
أحدهما: كون من بمعنى الباء.
والثاني: أن قولها عمرتك تقتضي الإضافة فيه تقرر عمرة له تضاف إليه والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن متقررة ولا موجودة وقيل: يراد بالعمرة الحج بناء على النظر إلى الوضع اللغوي وهو أن العمرة الزيارة والزيارة موجودة في الحج أي موجودة المعنى فيه وهو ضعيف أيضا لأن الإسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية كانت اللغوية مهجورة في الاستعمال.
4- عن عمران بن حصين قال: أنزلت أية المتعة في كتاب الله تعالى ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء قال البخاري يقال: إنه عمر.
ولمسلم: (نزلت آية المتعة- يعني متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات) ولهما بمعناه.
يراد بآية المتعة قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وفي الحديث إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة لأنه قوله لم ينه عنها نفي منه لما يقتضي رفع الحكم بالجواز الثابت بالقرآن فلو لم يكن هذا الرفع ممكنا لما احتاج إلى قوله ولم ينه عنها ومراده بنفي نسخ القرآن: الجواز وينفي ورود السنة بالنهي: تقرر الحكم ودوامه إذ لا طريق لرفع إلا أحد هذين الأمرين وقد يؤخذ منه: أن الإجماع لا ينسخ به إذ لو نسخ به لقال: ولم يتفق على المنع لأن الاتفاق حينئذ يكون سببا لرفع الحكم فكان يحتاج إلى نفيه كما نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنة بالنهي.
وقوله قال رجل برأيه ما شاء هو كما ذكر في الأصل عن البخاري: أن المراد بالرجل عمر رضي الله عنه وفيه دليل على أن الذي نهى عنه عمر: هو متعة الحج المشهورة وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج ثم الحج في عامه خلافا لمن حمله على أن المراد: المتعة بفسخ الحج إلى العمرة أو لمن حمله على متعة النساء لأن شيئا من هاتين المتعتين لم ينزل قرآن بجوازه والنهي المذكور قد قيل فيه: إنه نهي تنزيه وحمل على الأولى والأفضل وحذرا أن يترك الناس الأفضل ويتتابعوا على غيره طلبا للتخفيف على أنفسهم.

.باب الهدي:

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشعرتها وقلدها- أو قلدتها- ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلا).
فيه دليل على استحباب بعث الهدي من البلاد البعيدة لمن لا يسافر معه ودليل على استحباب تقليده للهدي وإشعاره من بلده بخلاف ما إذا سار مع الهدي فإنه يؤخر الإشعار إلى حين الإحرام.
وفيه دليل على استحباب الإشعار في الجملة خلافا لمن أنكره وهو شق صفحة السنام طولا وسلت الدم عنه واختلف الفقهاء هل يكون في الأيمن أو في الأيسر؟ ومن أنكره قال: إنه مثلة والعمل بالسنة أولى.
وفيه دليل على أن من بعث بهدية لا تحرم عليه محظورات الإحرام ونقل فيه الخلاف عن بعض المتقدمين وهو مشهور عن ابن عباس وفيه دليل على استحباب فتل القلائد.
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة غنما).
في هذا الحديث دليل على إهداء الغنم.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: «اركبها» قال: إنها بدنة قال: «اركبها» فرأيته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها.
وفي لفظ قال: في الثانية أو الثالثة: «اركبها ويلك» أو «ويحك».
اختلفوا في ركوب البدنة المهداة على مذاهب فنقل عن بعضهم أنه أوجب ذلك لأن صيغة الأمر وردت به مع ما يناصف إلى ذلك من مخالفة سيرة الجاهلية من مجانبة السائبة والوصيلة والحامي وتوقيها ورد على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب هدية ولا أمر الناس بركوب الهدايا ومنهم من قال: يركبها مطلقا من غير اضطرار تمسكا بظاهر هذا الحديث ومنهم من قال: لا يركبها إلا عند الحاجة فيركبها من غير إضرار وهذا المنقول من مذهب الشافعي رحمه الله لأنه جاء في الحديث: «اركبها إذا احتجت إليها» فحمل ذلك المطلق على المقيد ومنهم من منع من ركوبها إلا لضرورة.
وقوله: «ويلك» كلمة تستعمل في التغليظ على المخاطب وفيها هاهنا وجهان:
أحدهما: أن تجري على هذا المعنى وإنما استحق صاحب البدنة ذلك لمراجعته وتأخر امتثاله لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الراوي في الثانية أو الثالثة.
والثاني: أن لا يراد بها موضوعها الأصلي ويكون مما جرى على لسان العرب في المخاطبة من غير لموضوعه كما قيل في قوله عليه السلام: «تربت يداك» و«أفلح وأبيه إن صدق» وكما في قول العرب ويله وتحوه ومن يمنع ركوب البدنة من غير حاجة يحمل هذه الصورة على ظهور الحاجة إلى ركوبها في الواقعة المعينة.
4- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزار منها شيئا, وقال: «نحن نعطيه من عندنا».
فيه دليل على جواز الاستنابة في القيام على الهدي وذبحه والتصدق به.
وقوله: «وأن أتصدق بلحمها» يدل على التصدق بالجميع ولا شك أنه أفضل مطلقا وواجب في بعض الدماء وفيه دليل على أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق لأنها من جملة ما ينتفع به فحكمها حكمة.
وقوله: «أن لا أعطي الجزار منها شيئا» ظاهرة عدم الإعطاء مطلقا لكل وجه ولا شك في امتناعه إذا كان المعطى أجرة الذبح لأنه معاوضة ببعض الهدي والمعاوضة في الأخرى كالبيع وأما إذا أعطى الأجرة خارجا عن اللحم المعطى وكان اللحم زائدا على الأجرة فالقياس أن جوز ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحن نعطيه من عندنا» وأطلق المنع من إعطائه منها ولم يقيد المنع بالأجرة والذي يخشى منه في هذا أن تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه الجزار من اللحم فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر فمن يميل إلى المنع نم الذرائع يخشى من مثل هذا.
5- عن زياد بن جبير قال: (رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته فنحرها فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم).
فيه دليل على استحباب نحر الإبل من قيام ويشير إليه قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] أي سقطت وهو يشعر بكونها كانت قائمة.
وفيه دليل على استحباب أن تكون معقولة وورد في حديث صحيح ما يدل على أن تكون معقولة اليد اليسرى وبعضهم سوى بين نحرها باركة وقائمة ونقل عن بعضهم أنه قال: تنحر باركة والسنة أولى والله أعلم.

.باب الغسل للمحرم:

عن عبد الله بن حنين: أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه وقال المسور: لا يغسل رأسه قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه الماء اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل.
وفي رواية: «فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا».
القرنان العامودان الذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة.
الأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد: موضع معين بين مكة والمدينة.
وفي الحديث دليل على جواز المناظرة في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها إذا غلب على ظن المختلفين فيها حكم وفيه دليل على الرجوع إلى من يظن به أن عنده علما فيما اختلف فيه.
وفيه دليل على قبول خبر الواحد وإن العمل به سائغ شائع بين الصحابة لأن ابن عباس أرسل عبد الله بن حنين ليستعلم له علم المسألة ومن ضرورته قبول خبره عن أبي أيوب فيما أرسل فيه والقرنان فسرهما المصنف.
وفيه دليل على التستر عند الغسل وفيه دليل على جواز الاستعانة في الطهارة لقول أبي أيوب اصبب وقد ورد في الاستعانة أحاديث صحيحة وورد في تركها شيء لا يقابلها في الصحة.
وفيه دليل على جواز السلام على المتطهر في حال طهارته بخلاف من هو على الحدث وفيه دليل على جواز الكلام في أثناء الطهارة فيه دليل على تحريك اليد على الرأس في غسل المحرم إذا لم يؤد إلى نتف الشعر.
وقوله: (أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه؟) يشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل الغسل فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله وفيه دليل على أن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز إذ لم يسأل عنه وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس ويحتمل أن يكون ذلك لأنه موضع الإشكال في المسألة إذ الشعر عليه وتحريك اليد فيه يخاف منه نتف الشعر.
وفيه دليل على جواز غسل المحرم وقد أجمع عليه إذا كان جنبا أو كانت المرأة حائضا فطهرت وبالجملة الأغسال الواجبة وأما إذا كان تبردا من غير وجوب فقد اختلفوا فيه ف الشافعي يجيزه وزاد أصحابه فقالوا له: أن يغسل رأسه بالسدر والخطمي ولا فدية عليه وقال مالك وأبو حنيفة: عليه الفدية أعني غسل رأسه بالخطمي وما في معناه فإن استدل بالحديث على هذا المختلف فيه فلا يقوى لأن المذكور حكاية حال لا عموم لفظ وحكاية الحال تحتمل أن تكون هي المختلف فيها وتحتمل أن لا ومع الاحتمال لا تقوم حجة.

.باب فسخ الحج إلى العمرة:

1- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة وقدم علي رضي الله عنه من اليمن فقال: أهللت بما أهل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة فيطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت», وحاضت عائشة فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت فلم طهرت وطافت بالبيت قالت: يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج.
قوله: (أهل النبي صلى الله عليه وسلم) الإهلال: أصله رفع الصوت ثم استعمل في التلبية استعمالا شائعا ويعبر به عن الإحرام.
وقوله: (بالحج) ظاهره يدل على الإفراد وهو رواية جابر.
وقوله: (و ليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة) كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذ لم يكن هدي.